جذور التوحش: الحسد الإبليسي ومأساة كربلاء
التشخيص القرآني لآفة الحسد
يضع البيان القرآني يده على العلة النفسية العميقة التي تعصف بالبصيرة البشرية وتقود أصحابها إلى أبشع صور الجحود والانحدار، وذلك في قوله تعالى:
{أَمۡ يَحۡسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦۖ فَقَدۡ ءَاتَيۡنَآ ءَالَ إِبۡرَٰهِيمَ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَءَاتَيۡنَٰهُم مُّلۡكًا عَظِيمٗا} [النساء: 54].
وردت هذه الآية المباركة في سياق تشريح الموقف السلبي والمعادي الذي وقفته فئات من أهل الكتاب تجاه الرسالة الخاتمة وشخص الرسول الأكرم (ص)؛ إذ لم يكتفوا بالإنكار والجحود، بل ذهبوا إلى موالاة المشركين وعبدة الأوثان ضد النبي والمؤمنين، ومساندتهم، وتزييف الحقائق إلى حد إطلاق أحكام مضللة فضحها القرآن الكريم:
{أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبٗا مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡجِبۡتِ وَٱلطَّٰغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَٰٓؤُلَآءِ أَهۡدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ سَبِيلًا} [النساء: 51].
يطرح هذا الموقف تساؤلاً مصيرياً: ما الذي دفع قوماً يحملون ميراثاً كتابياً، ويدركون في قرارة أنفسهم أن أهل التوحيد والإيمان بالرسل أقرب إليهم وأهدى سبيلاً من عبدة الأصنام، إلى اتخاذ هذا المسار الموبق الذي أهلكوا به أنفسهم؟
يأتي الجواب الإلهي الحاسم كاشفاً جذر الداء: {أَمۡ يَحۡسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ}؛ إنه الحسد الذي يعمي القلوب ويحرق الفطرة.
الجذر الإبليسي: التمرد والوقاحة في مواجهة الفضل
يمثل هذا السلوك امتداداً عضوياً للنهج الإبليسي الأول، حيث كان إبليس رائد هذا الهلاك حين مزج بين الكبر والاستعلاء من جهة، والحسد القاتل من جهة أخرى، متمرداً على التكريم الإلهي لآدم عليه السلام.
وقد تجلت وقاحة الخطاب والتحدي السافر للخالق في قوله تعالى على لسان إبليس:
{قَالَ أَرَءَيۡتَكَ هَٰذَا ٱلَّذِي كَرَّمۡتَ عَلَيَّ لَئِنۡ أَخَّرۡتَنِ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَأَحۡتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلٗا} [الإسراء: 62].
فالحاسد لا يكتفي برفض الفضل، بل يتحول حسده إلى حقد أعمى ومشروع عدواني يسعى من خلاله لاستئصال المحسود والانتقام من كل ما يمت إليه بصلة.
عاشوراء ومحرك التوحش: قراءة سيكولوجية في الجريمة
لا ينفصل مشهد الطف في كربلاء عن هذه السلسلة المتوارثة من الأحقاد الدفينة؛ إذ لا ريب في أن الحسد كان المحرك الباطني والدافع الأساسي لدى طغاة بني أمية وقادة جيشهم—كزيد بن معاوية، وعبيد الله بن زياد، وشمر بن ذي الجوشن—في ارتكاب تلك الفظائع التي نكأت جراح التاريخ.
يقدم هذا التحليل النفسي تفسيراً منطقياً للمستوى غير المسبوق من التوحش والسلوك السادي الذي شهدته ساحة المعركة يوم عاشوراء:
- التمثيل بالأجساد وقطع الرؤوس ورفعها على أطراف الرماح.
- الدفع بالخيول لتدوس وتطأ صدر جسد الحسين (ع) وظهره بعد استشهاده.
- حرق الخيام وترويع النساء والأطفال وسلبهم في العراء.
إن مثل هذه الصور الهمجية الموثقة في الروايات التاريخية لا يمكن تبريرها بمجرد حسم عسكري أو صراع سياسي عابر؛ فالنزاع السياسي ينتهي عادة بانتهاء المعركة أو قتل الخصم، أما الإيغال في التمثيل، والتشفي، وإهانة الجسد الطاهر، فمرده إلى غليان مرجل الحسد الأسود الذي لا يهدأ إلا بمحاولة طمس كل مظهر من مظاهر النبل والشرف والفضل الإلهي الذي حازه آل محمد.
المصداق الحي في هدي العترة الطاهرة
يجد هذا الربط القرآني التاريخي مصداقه الأجلى فيما رواه ثقة الإسلام الكليني في كتاب «الكافي»، بإسناده عن الإمام محمد الباقر (عليه السلام)، حيث أبان العمق الحقيقي لمعنى الآية حين علّق على قوله تعالى: {أَمۡ يَحۡسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ}، فقال بكل وضوح وتأكيد:
«نَحْنُ النَّاسُ الْمَحْسُودُونَ»!
لقد تجسد الحسد الإبليسي بأبشع صوره في كربلاء؛ حين اجتمعت نفوس امتلأت حقداً وكبراً لتصب جام وحشيتها على أطهر خلق الله، كاشفة أن وراء كل مجزرة همجية حسداً دفيناً يحاول عبثاً إطفاء نور الله وفضله، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ويخلد ذكر أوليائه في الصالحين.

